الشيخ الطبرسي
350
تفسير مجمع البيان
إبله . فنزل عن دابته وعقلها ، وسل سيفه ، ودخل من باب الحصن . فلما دخل الحصن ، فإذا هو ببابين عظيمين ، لم ير أعظم منهما . والبابان مرصعان بالياقوت الأبيض والأحمر . فلما رأى ذلك دهش ففتح أحد البابين ، فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها ، وإذا هو قصور كل قصر فوقه غرفة ، وفوق الغرف غرف ، مبنية بالذهب والفضة ، واللؤلؤ والياقوت ، ومصاريع تلك الغرف مثل مصراع المدينة ، يقابل بعضها بعضا ، مفروشة كلها باللآلئ وبنادق من مسك وزعفران . فلما رأى الرجل ما رأى ، ولم ير فيها أحدا ، هاله ذلك ، ثم نظر إلى الأزقة ، فإذا هو بشجر في كل زقاق منها ، قد أثمرت تلك الأشجار ، وتحت الأشجار أنهار مطردة ، يجري ماؤها من قنوات من فضة ، كل قناة أشد بياضا من الشمس ، فقال الرجل : والذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالحق ، ما خلق الله مثل هذه في الدنيا ، وإن هذه هي الجنة التي وصفها الله تعالى في كتابه . فحمل معه من لؤلئها ومن بنادق المسك والزعفران ، ولم يستطع أن يقلع من زبرجدها ومن ياقوتها شيئا ، وخرج . ورجع إلى اليمن ، فأظهر ما كان معه ، وعلم الناس أمره ، فلم يزل ينمو أمره حتى بلغ معاوية خبره ، فأرسل في طلبه ، حتى قدم عليه ، فقص عليه القصة ، فأرسل معاوية إلى كعب الأحبار ، فلما أتاه قال : يا أبا إسحاق ! هل في الدنيا مدينة من ذهب وفضة ؟ قال : نعم أخبرك بها ، وبمن بناها . إنما بناها شداد بن عاد . فأما المدينة فإرم ذات العماد ، التي وصفها الله تعالى في كتابه ، وهي ( التي لم يخلق مثلها في البلاد ) . قال معاوية : فحدثني حديثها . فقال : إن عادا الأولى ليس بعاد قوم هود ، وإنما هود وقوم هود ولد ذلك ، وكان عاد له إبنان : شداد وشديد . فهلك عاد فبقيا وملكا . فقهرا البلاد وأخذاها عنوة . ثم هلك شديد وبقي شداد فملك وحده ، ودانت له ملوك الأرض ، فدعته نفسه إلى بناء مثل الجنة عتوا على الله سبحانه ، فأمر بصنعة تلك المدينة إرم ذات العماد ، وأمر على صنعتها مائة قهرمان ، مع كل قهرمان ألف من الأعوان ، وكتب إلى كل ملك في الدنيا ، أن يجمع له ما في بلاده من الجواهر ، وكان هؤلاء القهارمة أقاموا في بنيانها مدة طويلة . فلما فرغوا منها ، جعلوا عليها حصنا ، وحول الحصن ألف قصر ، ثم سار الملك إليها في جنده ووزرائه . فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة ، بعث الله ، عز وجل ، عليه وعلى من معه